محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
459
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
كلّ مدح وذمّ في الرجال والأحوال والأموال . وأكثر المفسّرين حملوا الشراء على البيع ، يقال : شريت الشيء واشتريته بمعنى بعته . قال ابن عبّاس في رواية أبي صالح : يعني باعوا به أنفسهم من الدنيا والهدايا التي أصابوها والرشى بكتمان صفة النبيّ الأمّيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ( 200 آ ) وهو قول مجاهد والسدّي والضحّاك ومقاتل وقتادة . قال مقاتل : بئسما باعوا به أنفسهم بعرض يسير من الدنيا . قال الضحّاك والسدّي : بئسما باعوا به أنفسهم حيث كفروا بما كانوا يستفتحون به من قبل ؛ ومعناه بئس الشيء باعوا به أنفسهم الكفر . وفي الكلام إضمار عند المفسّرين أي بئسما باعوا به حظّ أنفسهم بالكفر . وقال القفّال : « 1 » حقيقة الكلمة راجعة إلى المعاوضة ؛ فمن حمل الاشتراء على البيع فمعناه بئس الشيء الذي باعوا به حظّ أنفسهم ، ثمّ بيّن ذلك الشيء ما هو ، فقال : أَنْ يَكْفُرُوا ؛ فجعل أنفسهم مبيعة وجعل الكفر كالثمن لها ، أي بئس الثمن الكفر ؛ ومن حمل الاشتراء على ظاهره فيكون تأويله أنّ الإنسان مرتهن بعمله ، كما قال : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ . فإذا قيل : اشترى الإنسان نفسه معناه أنّه فداها من النار بالإيمان ؛ ومعناه هاهنا أنّهم اشتروا أنفسهم من اللّه بالكفر ، وكان ينبغي أن يشتروها بالإيمان ؛ وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - حين نزل وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ : « يا بني عبد مناف ! اشتروا أنفسكم من اللّه لا أملك لكم من اللّه شيئا . » 560 فمعنى اشتراء العبد نفسه أن يستعملها في طاعته ؛ فيأخذ ثمنها الجنّة ؛ فيفدي نفسه من غضب اللّه . وقال بعض أهل المعاني : الاشتراء الاختيار ، أي بئسما اختاروا لأنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحقّ والكفر بالإيمان والعذاب بالمغفرة . وقوله : بغيا ، أي تعدّيا وحسدا ؛ وهذا قول قتادة وأبي العالية والسدّي ورواية أبي صالح عن ابن عبّاس . قالوا : لم يكن كفر اليهود لشكّ وشبهة ، ولكن لحسد وبغي حيث صارت النبوّة في ولد إسماعيل ؛ والبغي : الظلم والفساد ؛ والبغي : التكبّر ؛ وانتصب على الحال . « 2 » وقوله : أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ تقديره بغيا أن ينزّل اللّه أو بأن ينزّل اللّه ؛ فانتصب موضعه بنزع
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 2 ) . في الهامش عنوان : النحو .